الجاحظ

378

الحيوان

أنّه يقسّط أصواته المعروفة بالعدد عليها ، كما يقسطها والليل تسع ساعات ، ثمّ يصنع فيما بين ذلك من القسمة وإعطاء الحصص على حساب ذلك . فليعلم الحكماء أنّه فوق الأسطرلاب ، وفوق مقدار الجزر والمدّ على منازل القمر ، وحتّى كأنّ طبعه فلك على حدة . فجمع المعرفة العجيبة والرّعاية العجيبة . وربّ معرفة تكون نبيلة وأخرى لا تكون في طريق النّبالة . وإن كانت المعارف كلّها مفصّلة مقدّرة ، إلّا أنّها في منازل ومراتب . وليس في الأرض معرفة بدقيق ولا جليل وهي في نفسها شريفة كريمة . والمعرفة كلّها بصر ، والجهل كله عمى ، والعمى كلّه شين ونقص ، والاستبانة كلّها خير وفصل . ثمّ له بعد ذلك ارتفاق الناس بهذا المعنى منه . ومن ذلك بعد صوته ، وأنّه يدلّ على أنّ موضعه مأهول مأنوس ، ولذلك قالوا : لا يكون البنيان قرية حتّى يصقع فيها ديك . وليس في الأرض طائر أملح ملحا من فرّوج ، وليس ذلك الاسم إلّا لولد الديك ، وإلّا فكلّ شيء يخرج من البيض فإنّما هو فرخ والفرّوج حين تنصدع عنه البيضة ، يخرج كاسبا عارفا بموضع لقط الحب وسدّ الخلّة ، وهو أصيد للذّباب من السّودانيّ « 1 » ، ويدرج مع الولادة بلا فصل . وهذا مع ما أعطى من محبّة النساء ، ورحمة الرجال ، وحسن الرّأي من جميع الدار ، ثم اتّباعه لمن دعاه ، وإلفه لمن قرّبه . ثمّ ملاحة صوته وحسن قدّه ، ثمّ الذي فيه ممّا يصحّ له الفروج ويتفرّج فيه . 443 - [ تفضيل الديك على الطاوس ] وكان جعفر بن سعيد ، يزعم أنّ الدّيك أحمد من الطاوس ، وأنّه مع جماله وانتصابه واعتداله وتقلّعه إذا مشى ، سليم من مقابح الطاوس ومن موقه وقبح صورته ، ومن تشاؤم أهل الدار به ومن قبح رجليه ، ونذالة مرآته . وزعم أنّه لو ملك طاوسا لألبس رجليه خفّا . وكان يقول : وإنّما يفخر له بالتّلاوين ، وبتلك التعاريج التي لألوان ريشه . وربّما

--> ( 1 ) السوداني : طائر من فصيلة الزرازير .